أبو حامد الغزالي

183

تهافت الفلاسفة

تنتهى إلى الحركة الدورية ، وهي : بعضها سبب للبعض ، كما هو مذهب الفلاسفة ، وينقطع تسلسلها بها ، ومن تأمل ما ذكرناه ، علم عجز كل من يعتقد قدم الأجسام ، عن دعوى علة لها ، ولزمه الدهر والإلحاد كما صرح به فريق ، فهم الذين وفوا بمقتضى نظر هؤلاء . فإن قيل : الدليل عليه أن هذه الأجسام ، إما أن تكون واجبة الوجود ، وهو محال ، وإما أن تكون ممكنة ، وكل ممكن يفتقر إلى علة . قلنا : لا يفهم لفظ « واجب الوجود » و « ممكن الوجود » فكل تلبيساتهم مخبّأة في هاتين اللفظتين ، فلنعدل إلى المفهوم ، وهو نفى العلة وإثباتها ، فكأنهم يقولون : هذه الأجسام ، لها علة أم لا علة لها ؟ ! ، فيقول الدهري : لا علة لها فما المستنكر ؟ ! ، وإذا عنى بالإمكان هذا « 1 » فنقول : إنه واجب ، وليس بممكن ، وقولهم : إن الجسم لا يمكن أن يكون واجبا تحكّم لا أصل له . فإن قيل : لا ينكر أن الجسم له أجزاء ، وأن الجملة إنما تتقوّم بالأجزاء ، وأن الأجزاء تكون سابقة على الذات في الجملة . قلنا : ليكن كذلك فالجملة تقوّمت بالأجزاء واجتماعها ، ولا علة للأجزاء ، ولا لاجتماعها ، بل هي قديمة كذلك بلا علة فاعلة . فلا يمكنهم رد هذا ، إلا بما ذكروه من لزوم نفى الكثرة عن الموجود الأول ، وقد أبطلناه عليهم ، ولا سبيل لهم سواه . فبان أن من لا يعتقد حدوث الأجسام ، فلا أصل لاعتقاده في الصانع أصلا .

--> ( 1 ) يشير إلى « ما له علة » .